الشيخ محمد هادي معرفة
330
تلخيص التمهيد
« وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ » « 1 » . ولا شكَّ أنَّ الترجيح في مثل هذا الاختلاف أيضاً مع المشهورة والأخرى باطلة ، لمخالفتها الرسم والمتعاهد بين عامَّة المسلمين جميعاً . وأمّا موافقة الأفصح في اللغة والأفشى في العربيّة ، فلأنَّ القرآن نزل على درجة أعلى من البلاغة ، ويستحيل أن يستعمل كلمة يمجُّها الذوق العربيّ السليم ، أو يخالف قياساً تسلَّمته العرب الفصحى عادة طبيعية متعارفة ، وإلّا لكانت العرب تستغرب من القرآن في بدء أمره أو تستنكر منه ما يبطل به التحدّي الَّذي يصرخ به القرآن علانيةً على رؤوس الأشهاد . إنَّ إجازة القراءات الضعيفة وإسنادها إلى العهد الأوّل إجرامٌ بشأن القرآن الكريم وحطٌّ من عظمته الغالية . إنَّنا لانجيز مثل تاءات البزّي وإدغامات أبي عمرو ونبرات الكسائي ومدّات حمزة وكثير من تكلّفات ابتدعها القرّاء تفنّناً بالقرآن وابتعاداً عن مألوف العرب الَّذين نزل القرآن على لغتهم وعلى أساليب كلامهم الدارج الفصيح . وقد قال تعالى : « قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ » « 2 » . « وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا » « 3 » ، « كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » « 4 » . فقد شاء اللَّه أن لا يكون في القرآن عِوَج ، ولكنَّ القرّاء تكلَّفوا فاعوجّوا بكثير من كلماته المستقيمة . ! ! وفي ضوء هذا البيان نخطِّئ - صريحاً - كثيراً من قراءات القرّاء المعروفين جاءت على خلاف أساليب لغة العرب الفصحى ، فإنَّ رعاية كتاب - هو لُامَّة كبيرة - أولى من رعاية نفر كانت تعوزهم المعرفة بأساليب الكلام الفصيح . وقد طعن ابن قتيبة في قرّاء لحنوا في القراءة ، ممَّن ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلّف ، فهفوا في كثير من الحروف وزلّوا وقرأوا
--> ( 1 ) المصدر : ج 17 ص 12 ، والآية 19 من سورة ق . ( 2 ) الزمر : 28 . ( 3 ) الأحقاف : 12 . ( 4 ) فصّلت : 3 .